|
اقتراب موعد توقیع الحكومتین العراقیة والامریكیة علی المعاهدة الامنیة انعكس علی مواقف الاحزاب والشخصیات العراقیة اضافة الی المواقف الاقلیمیة .
فكل من یعنیه الامر ادلی برایه فی هذه الاتفاقیة ، سواءا كان داخل العراق ام خارجه ... وببساطة یمكن من خلال ردود الافعال هذه ، دراسة مواقف الاطراف المتعددة والدوافع التی تقف وراء هذا الطرف او ذاك حیال المعاهدة الامنیة المذكورة .
فمنهم من كان صدی الی هذا الطرف الاقلیمی او ذاك ،
ومنهم من راها فرصة لمواجهة الحكومة العراقیة ،
ومنهم من اشتكی من كثرة المتحدثین بهذه المعاهدة ،
والاخر سكت لیبقی متفرجا لیتصید بعد ذالك فی الماء الذی ربما یتعكر ! ،
والاخر یرید التوقیع علی المعاهدة كیفما اتفق من اجل الحصول علی المغانم ،
ومنهم لازال یرید ان یبقی عائشا فی اطار الشعارات الثوریة ، والثوابت التی تعود علیها الشعب العربی منذ عشرینیات القرن الماضی ، وهكذا ...
المشكلة فی العراق هی فقدان الاجواء الهادئه التی تستطیع ان تكون مناسبه للتفكیر بهدوء لاتخاذ القرار السلیم لمواجة التحدیات الراهنة ، والقفز علی هذه التحدیات من اجل بناء العراق .
واذا ما احسنا " النیة " حیال كافة هذه المواقف ، فاننا نقف امام قضیه ، واحدة ، موحدة ، تؤرق جمیع هولاء القوم انها " السیاده العراقیه " .
وحسب تعریف احدهم لهذه السیادة " بانها الارادة الوطنیة الحرة المستقلة فی ادارة شوون البلاد " وهی تعنی " ان یكون الشعب سید نفسه لتحقیق مصالحه الوطنیة " ، وهی ایضا " امتلاك صناعة القرار السیاسی " ، ویستدرج فی تصوره للسیادة لیقول " كل امة تحكم نفسها بنفسها دون وصایة من دولة اخری فهی امة سیدة وهی التی تملك صلاحیة الامر والنهی دون ان تكون مامورة او مكرهه من ای كان علی وجه الارض " .
اخترت هذا التفسیر لانه یعبر باختصار عن جوهر مایدور فی خلد ماسمعته ، وقراءته ، وشاهدته من شخصیات واحزاب وانظمة وحكومات .
ویبدو لی ان هولاء وقعوا فی التباس منهجی ، وهو ان هذه التعاریف السیاسیة المكتوبة قبل اكثر من نصف قرن من الزمان كانت تعالج مشاكل واوضاع سیاسیة معینة ، كانت خلال ، وقبل ، وما بعد مرحله الاستعمار " المباشر " ومن ثم لقت لها اذان صاغیة من قبل المفكرین السیاسیین فی اطار الحرب الباردة التی كانت سائدة انذاك .
واعتقد ان المرحلة الحالیة " العولمة " تحتاج الی تصور جدید ، ومعالجة جدیدة ، ونظرة معینة ، تختلف عن تلك التی كانت فی بدایة التسعینات من القرن الماضی .
فما كان مناسبا فی العلم السیاسی لتلك المرحلة لیس بالضرورة مناسبا لایامنا ، ولوضعنا ، وما ینطبق علی دولة مثل السعودیة وایران وكوریا الجنوبیة لیس بالضرورة ینطبق علی العراق ولبنان وبلغاریا ! .
اخطأ ، من حاول استخدام النموذج اللبنانی فی وضع دستور العراق لمعالجة الطائفیة !.
اخطأ ، من حاول صیاغة الحالة السیاسیة العراقیة وفقا للنموذج السویسری او الالمانی او الامریكی لمعالجة الفدرالیة .
واخطأ ایضا ، من اراد استنساخ التجربة الایرانیة .
واری ان كل هذه الافعال تاتی لكون الحالة العراقیة تخلوا من مفكریین یقیمون الحالة العراقیة بواقعیة ، وصدقیة ، لیضعوا بعد ذالك الحل او التصور التنظیری لهذه المرحلة ... وما وجد فهو قلیل ، مشوش ، غیر متكامل لم ینضج بعد ، الامر الذی ادی الی النظر خارج الحدود من اجل استیراد نماذج تستطیع انقاذ العراق .
فعلی سبیل المثال ، تمنی الكثیر من العراقیین ابتداءا من الرئیس جلال طالبانی الی اخر مواطن یراقب هموم المنطقة ، ان یاتی امیر قطر للعراق لیاخذ الساسة العراقیین فی طائرتة الامیریة الی الدوحة ، ویرجع بهم الی بغداد ، باتفاق الدوحة ، لیحل به مشكلة العراق كما حل مشكلة لبنان !!.
هذا التصور الساذج الذی یاتی بسبب الفراغ الفكری السیاسی هو الذی یسیطر حالیا علی الاوضاع فی العراق .
دعنا نتناول قضیة السیادة بشیئ من الهدوء ! واتسائل :
ماذا یعنی توقیع دولة ما علی " اتفاقیة التجارة العالمیة " ،
الم تعمل العدید من الدول صباح مساء من اجل الانضمام الی هذه الاتفاقیة ؟
الم تعلن العدید من الدول رغبتها فی الانضمام الی هذه الاتفاقیة مقابل تقدیم تنازلات فی جمیع المجالات ، حتی السیاسیة منها ؟
واذا كنا نطبق التعریف السابق للسیادة الوطنیة ... أيّ سیادة اقتصادیة سوف تكون لهذه الدولة او تلك عندما تنظم لهذه الاتفاقیة ؟
هل تمتلك سیادتها فی وضع تعرفة جمركیة - خاصة بها - علی استیراد المحاصیل الزراعیة ؟ هل تمتلك سیادتها فی اقناع مزارعیها بالصبر وتحمل المشاكل لان المحصول الزراعی الذی یدخل البلد ارخص من محصوله ؟
هل تملك سیادتها فی منع ای محصول من دخول ابواب جماركها ؟
هل تملك سیادتها فی دعم بعض السلع الضروریة كالخبز والحنطة والشعیر ؟
هل تملك سیادتها فی دعم البطاقات التموینیة التی توزع علی الفقراء والمحتاجین ؟
هل تملك سیادتها فی وضع خطة خمسیة وعشریة ظمن المقاسات الخاصة بها ؟
هل تملك سیادتها فی رسم سیاستها النقدیة ؟
هل تملك سیادتها فی عدم تنفیذ برامج صندوق النقد الدولی والبنك الدولی ؟
وهل تملك سیادتها فی العدید من المجالات الاقتصادیة سواءا كانت زراعیة او اقتصادیة او نقدیة او تجاریة ؟
ولكن ... علی الرغم من كل ذالك نری بعض الدول تحاول بكل الطرق من اجل الانضمام الی اتفاقیة التجارة العالمیة ! .
هذا فی المجال الاقتصادی ...
اما فی المجال الامنی والعسكری ...هناك ثمانیین دولة لها سیادة كاملة ، وعضوة فی منظمة الامم المتحدة ، تمتلك بمعاهدات امنیة او عسكریة مع الولایات المتحدة ، بما فی ذالك الیابان وكوریا الجنوبیة والمانیا واسترالیا وكندا .
اما فی منطقتنا ، فحدث ولاحرج ، ابتداءا من تركیا ، وانتهاءا باكبر واصغر دولة فی هذه المنطقة ، عربیة كانت ام غیر عربیة ، فمن وقع علی مثل هذه المعاهدات ... نام واستراح ، ومن لم یوقع اصبح یلهث للتوقیع لیس باصابعه العشرة ، وانما حتی انه مستعد للتوقیع باصابعه العشرین ! .
ولاارید هنا ان اسرد مصادیق لهذه الحقیقة لعلمی بوضوحها لدی كل ابناء المنطقة والعالم .
اما فی مجال التحالفات العسكریة ، فحلف الناتو الذی اجتاح اوربا الشرقیة بعدما كان فی اوربا الغربیة هو نوع من خرق السیادة الوطنیة لهذه الدول - حسب التعریف الذی اوردناه فی بدایة المقال - ، والقوة الاكبر فی هذا الحلف هی الولایات المتحدة ... تجول وتصول فی ربوع اوربا الخضراء ، لكن ... فی اطار الناتو ، والاطلاع الدقیق والتفصیلی علی قوانیین الناتو الداخلیة ، تعطی صورة واضحة الی بعد هذه القوانیین عن السیادة الوطنیة ، التی یعتمدها البعض فی تصویره للواقع العراقی ! ولتداعیات الاتفاق الذی ترید الحكومة العراقیة توقیعه مع الحكومة الامریكیة .
وارجو ان لایفهم من كلامی بانی اوید سیطرة الولایات المتحدة علی القرار العراقی وان یكون " القرار السیاسی بید السفارة الامریكیة والقیادات العسكریة لقوات الاحتلال الامریكی فی العراق " لكنی ادعوا للتفكیر بشكل اكثر واقعیة واكثر موضوعیة ، لیس لهذه الاتفاقیة وانما لكل المعاهدات من اجل بناء عراق جدید یعیش لیس لهذه المرحلة وانما للمئة عام القادمة . .... انتهی
|