|
موقف ايران من الخيار الديمقراطي العراقي .
سألني شاب خلال زيارتي الاخيرة لبغداد اين تعيش
؟ قلت في ايران ، فاجاب آه من الايرانيين ! لم أفاجیء بجوابه ، لاني أسمع الكثير
من هذه الأهات ، يطلقها البعض متعمدا وقاصدا وهادفا لانه يملك موقفا مسبقا من
ايران ، في حين يطلقها البعض الاخر متعاطفا مع البعض الاول ، في الوقت الذي يری
فيها البعض الثالث مصادرة للقرار العراقي المستقل ، ولانبخس البعض الرابع الذي
يرای فيها داعما ومناصرا ودليلا وعينا .
ومهما تعددت القراءات للموقف الايراني من العراق
الجديد ، الا ان الثابت ان ايران - وهذه حقيقة – بلد كبيرٌ ، مسلمٌ ، مجاورٌ للعراق
، يملكٌ حدوداً مشتركة لاتقل عن الف واربعمائة كليومتر مع العراق ، دخل مع الحكومات العراقية المتعاقبة في صراعات
وجدالات وحروب ، وامتلك مع شرائح كبيرة من الشعب العراقي باواصر دينية وسياسية
واقتصادية وثقافية ، تأثر بالعراق وتأثر العراق به .
الان ، ماذا تريد ايران من العراق ؟ وماذا يريد
العراقيون من ايران ؟
اسئلة في غاية الشفافية والوضوح ، تدور في
أذهاننا جميعا وليست بعيدة ًعن واقعنا السياسي المٌعاش ، لكن المشكلة في اننا
كمثقفين ونخب سياسية وأكاديمية لم نناقش هذه الاسئلة في اجواء هادئة للخروج بتصور مستقبلي
للعلاقة مع ايران يحقق المصلحة للشعب العراقي ولمستقبل العملية السياسية في العراق
.
وسوف لن نختلف كثيرا اذا قلت ان ايران كانت
تراقب الاوضاع السياسية في العراق بدقة منذ ان انتصرت الثورة الاسلامية عام 1979 ،
وقد اجبرتها ظروف الحرب العراقية
الايرانية لتكون من اكثر الدول خبرة في تفاصيل المشهد العراقي وعلی كافة المستويات
، ساعدها في ذالك العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين العراقي والايراني ، وظروف
الجوار ، وانعكاسات التجاذبات السياسية طوال القرن الماضي ، مما أعطاها قدرة علی
تفسير الاحداث والتطورات ، والتعامل معها
بشكل يقترب من الواقع ، الامر الذي اوجد عند المسؤولين الايرانين خبرة متراكمة
للتعاطی مع الشأن العراقي وفقا لمصالح الامن القومي الايراني .
وامام هذه الحقيقة ، هل ان الخبرة الايرانية
المتراكمة ، والمصلحة الايرانية ، هي نقمة علی الخيار الديمقراطي العراقي ؟ ام
نعمة تصب في مصلحة العراق ومصلحة المستقبل العراقي ؟ وهل ان الخيار الايراني
يتقاطع مع الخيار العراقي ، ام ينسجم معه ، سواءا في الاطر العامة ، او في بعض
تفاصيله ؟ ، أسئلة يجد فيها البعض حرج من
تناولها ، فيما يجد البعض الاخر واجب وطني يجب التركيز عليه ، لان المخاطر التي
تسببها ايران للعراق - حسب اعتقاد هذا البعض - لايمكن حصرها ولربما تفوق تلك
المخاطر التي يسببها او سببها الاحتلال الامريكي للعراق .
وسوف أناقش الموضوع بشيء من الواقعية ، بعيدا عن
كل اشكال المواقف السياسية المتأثرة بالطائفية تارة ، والحزبية تارة أخری ،
والقومية علی وجه الاجمال ، وسوف أركز في هذا البحث علی الجانب السياسي ، مع
التذكير بالرصيد الديني والعقائدي والثقافي والاجتماعي والسياسي للشعبين العراقي
والايراني منذ العصر العباسي مرورا بالتلاقح الفكری والثقافي لمدرستي النجف
وسامراء مع مدرسة قم وخراسان خلال القرن الاخير .
ومما لاشك فيه ان التنكر لهذه الحقائق عند دراسة
العلاقات الثنائية للبلدين سوف يفضي الی ارباك في توخي النتائج المنطقية والواقعية
، والتي تؤدي الی سلسة من التجاذبات والازمات والحروب التي لاتقف عند حد مثلما فعل
صدام حسين .
هناك عدة ثوابت في السياسة الخارجية الايرانية
وعلی اساس هذه الثوابت تستند علاقاتها مع هذه الدولة او تلك ، ومن اهم هذه الثوابت
التواجد الاجنبي في المنطقة ، اضافة الی المبادیء التي نادی بها مؤسس الجمهورية
الاسلامية الامام الخميني رحمه الله ، في دعم حركات الشعوب ، والوقوف امام القوی
المهيمنة علی مستقبل الشعوب الاسلامية ، ودعم تطلعات هذه الشعوب في الحرية
والديمقراطية والتنمية ، لبناء الوطن الاسلامي الكبير الذي يستطيع خدمة حركة
المجتمع نحو التمسك بالعلم والمعرفة .
ومن الطبيعي جدا ان ترسم اي دولة خارطة الامن القومي
لبلدلها ، توضح فيها حدود هذا الامن ومصالحها ،
اضافة الی اعدائها واصداقها والية التعاطي مع هذا اوذاك من اجل تحقيق اهداف
امنها القومي .
واذا كان ذالك صحيحا ، فان الصحيح ايضا ، ان
يبادر العراق الی وضع اطر امنه القومي من اجل التعاطي بمنهجية مع مصالح الدول
الاخری ، خصوصا وان العراق علی لائحة الدول الصديقة المصنفة ايرانيا .
واذا كان هناك من يعتقد بوجود تمددا ً ايرانياً في
العراق او في المنطقة ، علی حساب مصالح شعوب هذه المنطقة ، فان ذالك ليس من سلبيات المصالح الايرانية ،
وانما هي من تداعيات انهزام النظام الرسمي العربي الذي كان يترنح منذ احتلال
النظام العراقي السابق لدولة الكويت ، وسقط بسقوط النظام العراقي حيث كان العراق
يمتلك تعريفا خاصا في النظام الرسمي العربي .
نحن نستطيع ان ندرس ونبحث منظومة الامن القومي
الايراني ، شانه شان كافة المنظومات
الامنية للدول المجاورة للعراق والدول الاجنبية الاخری ، لكن ليس من حقنا ،
ولانستطيع ان نملي علی الدول الاخری تفاصيل امنها القومي ، فكل الدول المجاورة
للعراق تمتلك بمنظومة امنية ، تتعاطی من خلالها مع العراق ومع النظام الجديد
استنادا علی هذه المنظومة ، وبطبيعة الحال فان العراق يٌَعّرف في هذه المنظومات كل
علی طبيعة نظرته للعراق الجديد .
وفي مايخص ايران ، فانها تعاملت مع النظام
الجديد ، علی انه بلد صديق ، يمتلك بحضارة عريقة ، يحتاج الی المزيد من الدعم
والمساندة من اجل اعادة بناءه السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي ، لكن ليس
علی اساس تعريف النظام الرسمي العربي السابق الذي اعطی له مهمة الدفاع عن « البوابة
الشرقية » ، والتي خسر فيها العراق خيراته ومستقبله وخيرة شبابة ، والذي ادی الی
مانحن عليه الان .
لقد وقفت الجمهورية الاسلامية الايرانية الی
جانب العراق الجديد منذ الساعة الاولی لسقوط النظام السابق ، واعترفت بأرادة الشعب
العراقي في كتابة الدستور ، ووقفت معه في كل المراحل والتفاصيل الديمقراطية التي
ادت الی انتخاب حكومة وطنية منبثقة من برلمان وطني منتخب من قبل الشعب العراقي
بشكل مباشر ، ودعمت هذه الحكومة ، في الوقت الذي اعلنت وقوفها مع خيار الشعب
العراقي دون النظر الی من سيكون علی رأس هذه الحكومة ، قالت ذالك الی كل الفرقاء
العراقيين اللذين التقت بهم في بغداد ، او اللذين شدو الرحال اليها في طهران .
ويٌخطیء من يظن ان ايران تتعامل طائفيا او قوميا
مع المشهد السياسي العراقي ، لان هذين العاملين لايدخلان في منظومة الامن القومي
الايراني ، فأيران تعاطت - علی سبيل المثال لا الحصر - مع حزب الله اللبناني
الشيعي ، في الوقت الذي تعاملت مع حركة حماس السنية ، كما انها من حلفاء التيار
الوطني الحر اللبناني المسيحي ، ولها علاقات متميزة مع الحركات الكردية العراقية ،
ولن اكشف سراً اذا قلت ان ايران تمتلك بعلاقات مع معظم التيارات السياسية العربية
القومية والدينية ، بناءا علی منظومتها الامنية القومية الانفة الذكر ، التي
تستبعد الحالة الطائفية والقومية .
لقد وضعت القيادة الايرانية كافة امكاناتها امام
الساسة العراقيين اللذين سمعوا ذالك خلال لقاءاتهم الخاصة والعامة ، الا ان المهمة
الاصعب تقع علی عاتق هؤلاء السياسيين في الية الاستفادة من هذه الامكانات ، فالبعض
اكتفی بمطالب شخصية ، والاخر طالب بمنجزات جزئية ، فيما اعتقد الاخر ان طهران يمكن
ان تخدمه في الصعاب .
ان المنظومة الامنية القومية العراقية ، تستطيع
ان ترسم معالم العلاقات المشتركة ليست مع أيران فحسب ، وأنما مع كل دول الجوار ،
فضلا عن الدول الاجنبية .
اني لااريد ان ارمي الكرة في الملعب العراقي
وازكيّ الدول الاخری ، لكني اريد التاكيد علی ضرورة ان ياخذ العراق بعامل المبادرة
ليرسم علاقاته مع الدول الاخری بناءا علی المصالح المشتركة والاحترام المتبادل ،
خصوصا مع الدول الصديقة ومنها أيران .
ان وضوح الرؤية العراقية حول جميع القضايا
والملفات الساخنة الداخلية والخارجية تخدم مستقبل التعاون العراقي الاقليمي ، كما
ان شرح هذه الرؤية لدول الجوار والاسرة الدولية تؤثر الی حد كبير في تعزيز اواصر
العلاقة والتعاون مع المحيط الاقليمي والدولي .
ان هذه الدول تريد ان تطمئن الی مستقبل العراق
السياسي ، ومن واجب العراق ان يشرح ذالك وبشكل دقيق لهذه الدول من اجل علاقات
تسودها الشفافية والوضوح ، حتی لا نقع في المطبات السياسية والجوسياسية ، التي وقع
بها النظام السابق مع دول الجوار .
ان العراق مؤهل لان يلعب دوراً فاعلاً في صياغة
الامن القومي الاقليمي ، كما ان الظروف والاحداث التي تشهدها المنطقة العربية
تمّكن العراق من المساهمة في صياغة النظام الرسمي العربي الجديد الذي يستند علی
أسس جديدة ومعايير سياسية تنسجم مع التطورات الحالية ، تعطي العراق حقه في لعب دور
يحقق مصالحه ومصالح المنطقة .
ان المنطقة تمر بمرحلة بناء منظومة سياسية
وأمنية ، علی خلفية الفراغ الامني
والسياسي الذي اولده انهيار الاتحاد السوفيتي بداية التسعينات من القرن الماضي ،
والذي تعزز بسقوط النظام العراقي عام 2003 ، ولابد للعراق ان ينهض من خلال ابناءه
وكوادره وامكاناته في المساهمة لصياغة النظام الامني والسياسي الجديد في هذا
الاقليم .
اسمحو لي ان اتقدم بالشكر والعرفان للمجموعة
العراقية للدراسات الاستراتيجية ، اتمني لمؤتمرها النجاح والتوفيق باذن الله .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
|