|
نحو حوار ثقافي بين
الامم
الدكتور محمد صالح
صدقيان
في عدد
سبتمبر من العام 2005 نشرت مجلة فورين افيرز الامريكية مقالا بقلم غريغوري كاوس
اجاب فيه علی السؤال التالي : هل تستطيع الديمقراطية ان تقف في مواجهة الارهاب ؟
وهل تنجح الممارسة الديمقراطية لان تكون بديلا للارهاب المستشري في الدول العربية
والاسلامية بشكل خاص ، وفي منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بشكل عام .
هذا
سؤالٌ مهمٌ ومصيري بالنسبة لنا اصحاب هذه الارض وهذه المنطقة . لكن لماذا اشرت
لهذا المقال في بداية ورقتي ؟ اولا ، لان المقال نشر في مجلة امريكية رصينة لها
مكانتها الخاصة في السياسة الامريكية . ثانيا ، المقال نشر في عام 2005 اي بعد
عامين تقريبا علی احتلال الولايات المتحدة للعراق ، ثالثا : انه يتناول قضية في
غاية الاهمية وهي الديمقراطية التي نادت بها الولايات المتحدة لتطبيقها في منطقة
الشرق الاوسط ، وكلنا يتذكر المحاظرة التي القاها الرئيس الامريكي المنتهية ولايته
باراك اوباما في جامعة القاهرة عام 2009 ، والتصور الذي كان يحمله في دعم نموذج
الاسلام السياسي الذي يجب ان يسود منطقة الشرق الاوسط ، وكان يعتقد ان برنامج حزب
العدالة والتنمية الاسلامي التركي يمكن ان يكون النموذج الذي يجب ان يسود العالم
الاسلامي ، لان صالات الفكر والدراسات في الولايات المتحدة ، ومنهم غريغوري كاوس
كانت تعتقد ان تنفيذ الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط ستسمح بصعود الاسلام
السياسي الذي لايؤمن بهذه الديمقراطية الی مراكز القرار ، وبالتالي من العبث
التركيز علی الديمقراطية كبديل للارهاب في المنطقة ، وانما يجب التركيز علی الية
لاعادة صياغة الاحزاب الاسلامية بما يخدم تحقيق المصالح الغربية في المنطقة .
ولااعتقد
باننا سنختلف عندما نلقي باللائمة علی السياسات التي مارستها الدول الغربية مع
الانظمة الاستبدادية التي حكمت بلداننا وشعوبنا خلال المئة عام الماضية . ونحن
اللذين نجتمع هنا من بلدان وقوميات متعددة نختزن في وجداننا تجارب متعددة من انواع
الظلم والاستبداد والقهر والتسلط الذي مارسته الانظمة المتعددة المشارب ، حيث كانت
هذه الانظمة تلقی الدعم والتاييد والمناصرة وعلی مختلف المستويات من الدول الغربية
. فتارة من فرنسا وايطاليا وبريطانيا واسبانيا وهولندا ، واخری من الولايات
المتحدة وهكذا . انا لا ارمي الكرة بالكامل في هذا الملعب ، لكن هؤلاء اللاعبين
اجادوا اللعبة في تقسيم دولنا وشرذمتها وابقاء شعوبها تحت طائلة الجهل والفقر
والحرمان . جهل ثقافي ، وفقر اقتصادي وحرمان سياسي . ان مراكز الابحاث والدراسات
في الدول الغربية كانت محقة عندما رات ان الديمقراطية ستدفع بالاسلام السياسي
لمراكز القرار ، لانهم يعلمون بشكل جيد مع من كانوا يقفون في السابق ، ويعلمون
ايضا ان الانظمة السياسية التي دعمتهم في السابق والتي حملت شعارات القومية
والاشتراكية والقطرية من اليمين واليسار كانت تتنفس تحت مظلتهم السياسية والامنية
والعسكرية ، وان الجهة الوحيدة التي كانت مضطهدة ومهمشة هم شعوب هذه المنطقة
وثقافتها وتاريخها .
ومع
الاسف ، ان الدول الغربية التي لاتزال تمارس هذه السياسة التي اولدت حالة من تاجيج
المشاعر ضد الغرب لصالح الافكار والتصورات التي اعتقدت باستمرار الحروب الصليبية
لتضعيف الحاكمية الشعبية التي تؤمن بالحرية وحقوق الانسان والسلام .
هناك
نظرتين في هذا المجال . الاولی تقول ان الكيل بمكياليين لفهم مبادیء الديمقراطية
دعم فكرة الارهاب في المنطقة . بمعنی ان النظام الديمقراطي نظام جيد لكن ليس للعرب
والمسلمين وانما للشعب السويسري كما قال شاه ايران محمد رضا بهلوي الذي كان مدعوما
من قبل الدول الغربية والولايات المتحدة تحديدا . اما النظرة الثانية ، فانها تری
ان دعم الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة للانظمة الاستبدادية طوال العقود
الماضية سبب مشاكل سياسية وامنية وعسكرية متعددة في المنطقة ، وهي الان تغطي هذه
المشاكل من خلال اختصارها بالاحتلال العسكري والدعوة الی الانتخابات . بمعنی اخر
لماذا لم تقطع الولايات المتحدة دعمها للانظمة الدكتاتورية والمستبدة واستمرت في
دعمها الواسع للكيان الاسرائيلي وعدم اعطاها الفرصة لشعوب المنطقة بمن فيهم
الفلسطينيون لتقرير مصير مستقبلهم ؟ الا كان ذالك يخفف من حدة الاختناق الذي عاني
منه المواطن العربي وعدم التفكير بالعنف الذي مارسه البعض لمعالجة هذا الاختناق ؟
.
وعلی
اساس هذه النظرة ، فان العديد من المشاكل الراهنة كانت بسبب تاخير اجراء الاصلاحات
في الانظمة السياسية ، وما حمله الاحتلال العسكري الامريكي والغربي للدول
الاسلامية ، والابتعاد عن الاسس الديمقراطية ؟ مالذي كان يحدث اذا تم البدء
بالعملية الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تزامنا بالتغييرات التي
حدثت في امريكا اللاتينية واوربا الشرقية ومنطقة شرق اسيا ؟ الم تكن تساهم في
الوقوف امام حادثة الحادي عشر من سبتمبر علی سبيل المثال ، او ، الم تقلل من
الحواضن الاجتماعية التي رعت الارهاب في العديد من بلدان المنطقة ؟ .
ان انصار
هذه النظرة يعتقدون ان السلوك الغربي والامريكي تحديدا ، خلال نصف القرن الماضي في
الدعم المطلق لاسرائيل، وحماية الانظمة المستبدة ، ونهب الثروات النفطية واهانة
المسلمين ، تفرض عليهم من الناحية الاخلاقية والناحية السياسية التخلي عن مثل هذا
السلوك ، والكف عن شن حروب جديدة والتاكيد علی الانتخابات الحرة ، والمشاركة
السياسية لتحفيف حدة العوامل التی تدعم الارهاب كالفقر والحرمان .
ان الحرب
والاستبداد كانا عاملان رئيسيان ساهما في تقسيم المجتمعات في بلداننا ، وزرعا بذور
العنف والارهاب الذي لانعرف الی اين تتجه بوصلته ومن الذي سيتضرر ؟ .
ان مبادی
الديمقراطية التي تستند علی المشاركة في الحكم ، وتبادل السلطة ، وتوفير العدالة
في تقسيم الثروات ، لا اقول بانها سوف تقضي علی ظاهرة الارهاب ، لكنها بالتاكيد
سوف لن تساعد الافكار المتطرفة والتكفيرية ان تجد لها حواضن اجتماعية ملائمة .
ان الخوف
من وصول المتشددين لمراكز القرار لامبرر له في حال اعطاء الفرصة للشعوب ان تطالب
بحرية التعبير ، وتبادل السلطة ، وارساء اسس الديمقراطية . ربما يساهم وصول
الحركات المتطرفة الی مراكز القرار في دعم الارهاب وتسخير الانتخابات لتصب بمصلحة
هذه الحركات ، لكن الدكتاتورية والاستبداد ليسا البديل المناسب للوقوف امام
الارهاب والتطرف والتكفير .
انا اميل
للقراءه التي تقول ان الديمقراطية ليست وحدها الكافية للقضاء علی الارهاب ، وانما الفقر والجهل والحرمان هما من العوامل
التي تغذي الارهاب في المنطقة .
ان العمل
علی زيادة الوعي عند الشعوب ، ودعم مؤسسات العمل المدني وتعزيز دور القانون لصيانة
حرية التعبير والحريات العامة ، وافساح المجال امام الممارسات الديمقراطية تعطي
فسحة من الامل لدی الشعوب بامكانية التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية .
لقد
اصيبت مجتمعاتنا بحالة من التحجر في الثقافة والوعي والممارسة بسبب استحمار الحاكم
المستبد لشعبة علی حد تعبير المفكر الايراني علي شريعتي . ان هذه المجتمعات بحاجة
لمن يعطيها الامل ويزيل عنها غبار الجهل والحرمان . انا اعتقد ان هذه مهمة
المفكريين والنخب الثقافية والعلمية . هذه النخب تستطيع ان تضخ قيم الثقافة
والحرية والوعي في اذهان مجتمعاتنا وطلابنا وابنائنا لتكون حاضنة لاسس الديمقراطية
بدلا من مبادی الارهاب والتطرف . لا اخفيكم اعجابي بما كتبه الدكتور عبد الحسين
شعبان من اشاعة فهم « الرياضة النفسية » لتحقيق مفهوم التسامح بين ابناء المجتمع .
اتمنی ان تنجح مثل هذه الافكار والتصورات لازالة الغبار عن موروثنا
الذي جعلنا في يوم من الايام خير امة اخرجت للناس .
بحث مقدم لندوة «
الامم الاربعة » حول المشروع الديمقراطي والتحدي الارهابي المعهد العربي
للديمقراطية /تونس العاصمة / 23- 25 ديسمبر كانون الاول 2016 .
|